• الشخص 3

    مجزوءة الوضع البشري / الشخص

     

     تقديم إشكالي:  يتحدد الشخص، كمفهوم فلسفي، باعتباره مجموع المحددات الماهوية والثابتة المشتركة بين الناس. إن الشخص إذن هو الذات الواعية لكيانها، المستقلة في إرادتها، الحرة في تصرفاتها. وقد حدده كانط بقوله:" الشخص هو الذات التي يمكن أن تنسب إليها مسؤولية أفعالها" إي الذات الواعية، المفكرة، والحرة... القادرة على تحمل مسؤولية أفعالها أخلاقيا وقانونيا، لذا عادة ما يقال الشخص في مقابل الشيء والموضوع.

     

      أما في معجم لالاند فإن الشخص يتحدد :" ككائن فردي، من حيث حيازته المزايا التي تجيز له المشاركة في المجتمع الفكري والأخلاقي للذوات: أنه، يتحدد باعتباره، وعي ذاتي، عقل، وقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، بين الخير والشر، إنه قدرة المرء على تحديد نفسه بأسباب يمكنه تسويغ قيـمتها أمام كائنات عاقلة أخرى."إن ارتباط الشخص بالوعي والحرية والمسؤولية، يثير إشكالات فلسفية تتعلق بالهوية الشخصية والقيمة الشخصية وحرية الشخص وعلاقتها بالضرورات الخارجية. وهي إشكالات تثير التساؤلات التالية :

     



     على أي أساس تقوم الهوية الشخصية: هل على أساس الوحدة والتطابق أم على أساس التعدد والاختلاف؟ كيف تتشكل الهوية الشخصية: هل في نطاق الاستقلال عن العالم والآخرين أم في نطاق الانفتاح الدائم على العالم والآخرين؟

     

    كـــيف تتحدد قيمة الشخص المعنوية والأخلاقية: هل في النظر إليه كغاية في ذاته أم باعتباره وسيلة لتحقيق غايات أسمى منه؟ وماهي طبيعة الاحترام الموجه إلى الشخص: هل هو احترام مطلق وغير مشروط أم أنه احترام نسبي ومشروط؟

     

    هل الشخص حر في اختياراته وقناعاته أم أنه مكره ومقيد بجملة من الضرورات والحتميات الخارجية؟ وماذا يعني أن يكون الشخص حرا : هل معناه التصرف وفق إرادته الخاصة أم وفق ما ترسمه وتحدده له القوانين و القيم الاجتماعية ...؟

     

     

     

     المحور الأول : الشخص والهوية

    تتحدد الهوية حسب معجم لالاند، باعتبارها:" مايقال على الفرد هو ذاته، في مختلف فترات وجوده أي هوية الأنا ، يبقى الكائن هو نفسه بقدر ما يستقبل باستمرار ماضيه في حاضره وبقدر ما يختصر تغيراته الخاصة به، ويظل متمسكا بتراثه بكامله " بمعنى أن الهوية هي خاصية ماهو مماثل. وعند توظيفها بمعنى الهوية الشخصية فإنها تفيد: ما يضمن للشخص تطابقه مع ذاته وبقاءه هوهو. إن هوية الشخص تعني، وحدة الذات بما فيها من وجدان، فكر وإرادة وابتكار.

    إن الإشكال المطروح بخصوص الهوية الشخصية يتعلق بأساسها: فعلى أي أساس تنبني هوية الشخص؟ هل تنبني على أساس مقومات تتميز بالتعدد والتغير والاختلاف؟ أم تنبني على أساس مقومات  تتميز بالوحدة والثبات والتطابق؟ كيف تتشكل الهوية الشخصية: هل هي معطى فطري وأصلي في الشخص أم أنها معطى مكتسب ؟ هل تتشكل في نطاق الانعزال والاستقلال عن العالم والآخرين أم في نطاق الانفتاح الدائم عليهم؟

     

    أثار الفيلسوف الفرنسي" روني ديكارت"، في العصر الحديث

    مفهوم الأنا/ الذات والذي يشكل الأرضية الصلبة لتحديد مفهوم الشخص. فهذه الأنا من خلال الكوجيطو " أنا أفكر إذن أنا موجود" هي الحقيقة الوحيدة التي تنفلت من أية عملية شك، وأساس تحقيق المعرفة الكاملة. فأنا أشك في كل شيء، ولكن لا أستطيع أن اشك في أنني أشك، ومادمت كذلك فأنا موجود وكل ما يحيط بي موجود، ومن هنا نفهم أن ديكارت، وأساس التمييز بين الصواب والخطأ والخير والشر هو الذات المفكرة، وهي ذات حرة ومستقلة بمعنى أن الفكر والوعي باعتبارهما أساس الذات هما أساس الهوية الشخصية، والفكر والوعي مقومات تتميز بالوحدة والثبات والتطابق وهي مقومات أصلية وفطرية في الإنسان، حسب ديكارت، تجعل من الشخص متطابقا مع ذاته.

     

     يتأسس الموقف الديكارتي إذن، على ثباث الوعي وتأصله كمكون لهوية الشخص، وبهذا فهو يؤسس لتصور ماهوي حول هوية الشخص، من نفس التصور ينطلق الفيلسوف الألماني "شوبهاور" بالرغم من أنه يرى أن ماهية الشخص وجوهره الثابث والمستمر هو إرادته وهي التي تتوقف عليها الهوية الشخصية . وفي هذا يقول:" قد يرى عامة الناس أن هوية الشخص تتوقف على هوية الشعور، فإذا كنا نعني بهذا الذكرى المترابطة لمسار حياتنا، فإنها لا تكفي لتفسير هوية الشخص ... إذ يستطيع تقدم السن أو المرض، أو إصابة في المخ، أو حمق أن يحرمنا كلية من الذاكرة. ومع ذلك فإن هوية الشخص لا يفقدها هذا الإختفاء المستمر للتذكر. إنها هوية تتوقف على الإرادة، التي تظل في هوية مع نفسها، وعلى الطبع الثابث الذي تمثله."

    يقف هذان التصوران الماهويان ضدا على التصورات السيكولوجية و السوسيولوجية، التي تصدر عن مرجعيات نفسية واجتماعية، ترتكز على مفاهيم، الشخصية، الشعور، والطبع، والمزاج، ومقومات الجهاز النفسي....

    ومن هذا المنطلق يرى جول لاشوليي أن الهوية الشخصية تتأسس على مقومات تتميز بالتعدد والتغير، لأن الهوية الشخصية تنبني على آليات نفسية تسهر على وحدة الشخص وتطابقه مع ذاته، وهي هوية لا تفترض أنا ثابت وماهو لأنها بناء مستمر يشكله الفرد ببطء في حياته، عن طريق تراكم طباعه وذكرياته، أي أن الهوية تتعلق بالصيرورة والسيرورة التي يعيشها الشخص. يقول لاشوليي:" ...ليس هناك سوى شيئين يمكن أن يجعلاننا نحس بهويتنا أمام أنفسنا وهما: دوام نفس المزاج أو نفس الطبع، وترابط ذكرياتنا...

    يعرض لاشوليي في تصوره بديلا للقول بثبات مقومات الهوية الشخصية. ومن تم فتصور لاشوليي نقد للتصور "الماهوي" لهوية الشخص، فهي ليست معطىاة منذ الأصل، بل هي طبع يتكون لدى الشخص وهي سيرورة وذاكرة. إنها ليست شعورا ثابتا، وليست وعيا قبليا، بل هي طبع متحول، وهي ذاكرة متغيرة.

    إن تصور لاشوليي يصدر عن مرجعية سيكولوجية، يتخذ فيها مفهوما "الطبع" "والذاكرة" دلالة قوية، باعتبارهما محددين لهوية الشخص. وفي نفس الاتجاه وبالضبط في مجال التحليل النفـسي، يحدد الطبيب وعالم النفس، النمساوي" سيجموند فرويد" الهوية الشخصية باعتبارها بناء نفسي دينامكي، يشكله تفاعل قوى الجهاز النفسي الثلاثة عن طريق حركيتها وصراعها المستمر، ومحاولة "الأنا" خلق توازن بين الدوافع اللاشعورية ل "الهو"، وبين المطالب الأخلاقية ل"الأنا الأعلى" وضغوط الواقع الخارجي.يقول فرويد: " إن الأنا مضطر إلى أن يخدم ثلاثة من السادة الأشداء، وهو يبذل أقصى جهده للتوفيق بين مطالبهم ...وهؤلاء المستبدون الثلاثة هم: العالم الخارجي، الأنا الأعلى، والهو... وهكذا يصارع الأنا من أجل أن ينجز مهمته في إحداث نوع من التوافق والانسجام بين التأثيرات المتفاعلة داخله والمؤثرة عليه من الخارج".

     

    إن هوية الشخص تقوم إذن على مقومات متعددة ومتغيرة باستمرار تتأثر بالعالم الخارجي. إنها هوية لا تكتمل وبالتالي فهي متجددة باستمرار بتجدد الحالات النفسية للشخص وعلاقاته مع الآخرين، إنها هوية تتطور حتى دون أن يعي الشخص هذا التطور.

    إضافة إلى اهتمام علم النفس بمسألة "هوية الشخص"، وبما يحدد هذه الهوية، يمكن استحضار اهتمام علم الاجتماع بهذا الإشكال. ولدينا في تصور عالم الاجتماع "رالف لينتون" نموذجا لذلك. فهوية الشخص عنده هي هوية مجتمعية، تتحدد انطلاقا من النظام القيمي والأخلاقي، ومن عادات المجتمع وتقاليده.

    إن هذا التصور يحدد الهوية الشخصية بتكوينها الاجتماعي، وبتنشئتها داخل المجتمع، إذ تترسخ لديها بفعل ذلك قيم، ومعتقدات، ومواقف، مما يجعلها، هوية تتسم بالاختلاف والتنوع، والتغير، حسب الوسط الاجتماعي وقواعده وقيمه، وتحولاته. يقول: " تختلف المعايير المحددة للشخصية من مجتمع إلى آخر ونظام القيم والمواقف هو نظام مشترك لدى أعضاء المجتمع... إن تشكيلة المواقف والقيم تزود أعضاء المجتمع بطرائق للفهم، وبقيم مشتركة، تمكنهم من الاستجابة الوجدانية الموحدة تجاه  الأوضاع التي تهم قيمهم المشتركة".

     

     هكذا إذن تتحدد هوية الشخص داخل أنساق متعددة، وهو ما يجعلها، مفهوما مركبا ومعقدا، لتعدد أسسه ومقوماته التي تتوزع بين ماهو أصلي وثابث كالوعي والإرادة... وبين ماهو متعدد ومتغير كالطبع والذاكرة والقيم الاجتماعية... لكن هذا التعدد لا يلغي اعتبار الهوية هي ما يجعل الشخص متطابقا مع ذاته. وهو ما يدفعنا إلى إثارة إشكالية البعد الأخلاقي للشخص أي قيمته.فكيف تتحدد قيمة الشخص المعنوية والأخلاقية؟

     

     المحور الثاني :الشخص بوصفه قيمة

    تتحدد القيمة بصفة عامة باعتبارها كل ماهو قابل للرغبة (وليس فقط ماهو مرغوب فيه) وعند الحديث عن قيمة الشخص فالمقصود بها أن الإنسان يتميز بامتلاكه لقيمة عليا، وميزة سامية تجسدها كرامته...التي تميزه عن غيره من الكائنات والموضوعات، لكن: كيف تتحدد قيمة الشخص الأخلاقية والمعنوية:هل في النظر إليه كغاية في ذاته أم كوسيلة لتحقيق غايات أسمى منه؟ وماهي طبيعة الاحترام الموجه للشخص: هل هو احترام مطلق وغير مشروط أم أنه احترام نسبي ومشروط بمحددات خارجية؟

     


    يجيب الفيلسوف الألماني "إمانويل كانط" على هذا الإشكال بقوله أن قيمة الشخص تتحدد باعتباره ذاتا عاقلة وليس وسيلة أو موضوع، وقيمته هذه تجعل منه غاية في ذاته، أي هدفا في حد ذاته، ومن هنا فالشخص يمارس الأخلاق كذات عاقلة تتمتع بالإرادة الكافية النابعة من العقل العملي والتي تخول له أن يلتزم بجملة من المبادئ والقيم، ليس خوفا من عقاب ولا رغبة في جزاء وثواب، ولكن لأنها واجبات تنسجم مع مبادئ العقل.

      وبالتالي فإن الشخص، يلزم احترامه، احتراما مطلقا وغير مشروط. كما يلزم على كل شخص أن ينظر إلى كل شخص كما ينظر تماما إلى ذاته، حيث أن الإنسانية متجسدة فيهما.إن احترام الشخص المفرد احترام للإنسانية جمعاء.

       لقد شكل الاتجاه الأخلاقي الكانطي رافدا من روافد الفلسفة الشخصانية كفلسفة تعلي من قيمة الشخص، وهذا ما نجد عند رائد هذا الاتجاه،" إمانويل مونيي" الذي يرى أن قيمة الشخص تكمن في كونه غاية في ذاته، وكيانا نفسيا متميزا، مريدا، واعيا، ومبدع دائم لشخصيته عبر عملية الشخصنة. إن الشخص حسب هذا التصور لا يمكن أن يعامل بوصفه موضوعا قابلا للفحص والتفسير والتعريف، لكونه ذات وتجربة غنية ، وثروة لانهائية ، ونشاط معيش ...وهذا ما يجعله فريدا وغاية في ذاته. إن التصور الشخصاني تصور يعلي من قيمة الإنسان كشخص، ويدافع عن كرامته وتميزه. وفي هذا يقول مونيي: "كل شخص له معناه" إن الشخص إذن ذات لا تتكرر ولن يحل محلها أحد..

     

    إذا كل من كانط ومونيي، يربطان قيمة الشخص، أساسا باعتباره ذات عاقلة وواعية ومريدة على أساس أن هاته المقومات هي مايميز الشخص عن مجرد "الكائن" فإن الفيلسوف الفرنسي "جورج غوسدورف" وإن كان يعتبر أن العقل والوعي والإرادة هي أساس الشخص إلا أن قيمته الشخص وذاته الأخلاقية، لا تكتمل إلا في انفتاحه على الآخرين وتضامنه معهم. وبالتالي فإن الذات العاقلة أو الأنا المفكرة لا تكفي كمصدر للأخلاق ولقيمة الشخص لأنها تجعل الشخص في نوع من العزلة الوجودية. ومن هنا علينا الخروج مما ذهب إليه كانط من حديث عن قيمة وأخلاق كونية ومطلقة ومجردة وقبلية للحديث عن أخلاق ملموسة متغيرة ، تتشكل ضمن مجال التعايش وداخل المجموعات البشرية وتختلف باختلاف الجماعات المنتجة لها. ومن هنا علينا الإقرار بنسبية الأخلاق ومحليتها بدل كونيتها.


    يتضح مما سلف أن هناك إجماع بين الفلاسفة حول الإعلاء من قيمة الشخص باعتباره، كائنا عاقلا وذاتا أخلاقية. وهي قيمة قد ترتكز على كونه ذاتا لعقل عملي، كما قد تنبني علىى مشاركته وتضامنه وانفتاحه على الغير. لكن الحديث عن الشخص بوصفه قيمة يستدعي بالضرورة الحديث عن حرية الشخص باعتباره قيمة إنسانية مميزة للشخص، وهذا ما يثير التساؤل والتفكير في إمكانية اعتبار الشخص ذات حرة مستقلة، أم أنها ترتبط بشروط وضرورات.

     

     

      المحور الثالث  : الشخص بين الضرورة والحرية

    رغم أن الشخص يتميز بهوية خاصة وقيمة متميزة، إلا أنه ينتمي إلى جماعة ومجتمع معين، ويعيش وفق شروط موضوعية تجعله يدرك أن وجوده مشروط بضرورات نفسية وبيولوجية داخلية أو ضرورات اجتماعية واقتصادية وثقافية خارجية. إن هذا الازدواج في بنية وجود الشخص هو ما يجعلنا نتساءل: هل الشخص ذات حرة أم أنه كيان خاضع لإشراطات وحتميات؟ بأي معنى يكون الشخص، باعتباره حرية وفاعلية ومشروعا، قادر على التعالي على كل الاشراطات والضرورات المحيطة به وتجاوزها؟

     

    غالبا ما يعتبر الشخص، من حيث هو كائن بشري، يتميز عن الكائنات الأخرى بالعقل وبالإرادة، وبالحرية. ويحدد معظم الفلاسفة الوجود البشري، بأنه وجود حر، وكأن كينونة الشخص البشري تكمن في حريته. غير أن ارتباط الشخص بعالم من الضرورات الميتافيزيقية والطبيعية والاجتماعية، جعل بعض الفلاسفة وعلى رأسهم الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا يعيد التفكير في إدعاء الحرية عند الشخص، إذ لا يمكن عنده التفكير في الشخص خارج عالم الضرورة.

     

    يؤسس  "باروخ سبينوزا" تصوره، خلافا لكل الاتجاهات الفلسفية التي جعلت حرية الإرادة أساس الأخلاق وأساس الوجود البشري في كليته. إذ يرى أن الاعتقاد في حرية الشخص مجرد وهم، ناجـم عن الجهل بالأسباب الحقيقية لأفعالنا. لذا فإن الشخص حسب سبينوزا خاضع لعالم الضرورة ما دام محكوما بعوامل لا متناهية في العالم المحيط به، في كل جوانبها الميتافيزيقية ،الطبيعية ،الاجتماعية ،النفسية والبيولوجية... وهكذا فإن الشخص لا يكون حرا إلا إذا استطاع أن يكون عن عالم الضرورة فكرة متميزة، وهذه الفكرة المتميزة لا تعدو أن تكون سوى إدراك الأشياء وفق عالم الضرورة. يقول سبينوزا:" بقدر ما تدرك النفس الأشياء كلها على أنها ضرورية، تكون قدرتها على الانفعالات أعظم، أي أن خضوعها لها يكون أقل..."

      هكذا تظل الضرورة المطلقة هي السائدة، يخضع لها الإنسان مثله مثل باقي الكائنات الطبيعية الأخرى، ولا قدرة له على الخروج عن عللها وأسبابها، وما يميزه فحسب هو قدرته على الوعي بهذه الحتمية.

      وبغية إعادة الاعتبار للشخص كمؤسس للمعنى في الوجود عبر فعله الحر وبنائه لاختياراته ومبادراته، قامت فلسفات الشخص خاصة الفلسفة الوجودية عند "جون بول سارتر"، فقد إنطلق هذا الفيلسوف من التمييز بين الوجود في ذاته أو وجود الأشياء والموضوعات والحيوانات والوجود  لذاته أو وجود الإنسان باعتباره ذات عاقلة حرة ومريدة، وما يميز الوجود لذاته حسب سارتر هو أن وجوده سابق لماهيته،أي أنه يختار ماهيته كيفما شاء ويصنع حياته بكل حرية باعتباره مشروعا لذاته، ويتحمل مسؤولية اختياره هذا.وهذه المسؤولية تتجاوز ذاته لتشمل الإنسانية جمعاء. إن الحرية بهذا المعنى هي عين وأساس ماهية الإنسان، أي أن الإنسان لا يكون كذلك إلا باعتباره حرا. يقول سارتر:" إننا لا ننفصل عن الأشياء إلا بواسطة الحرية." فمن دون حرية لا وجود للإنسان.

     

     وبهذا يكون سارتر قد أعاد الاعتبار للشخص بوصفه ذاتا واعية، فاعلة، فاعلة وحرة، ضد كل التصورات. التي أفرغته من خصائصه الإنسانية مختزلة إيـــــــاه في كونه مجرد موضوع. إلا أن الحرية عند سارتر ليست مجرد خاصية للإنسان، بل هي الوجود الإنساني ذاته من حيث هو فعل مستمر مما يجعلها حكما وقدرا ونوعا من الجبرية، كما أن الإطلاقية هي ما يميزها. فإلى أي حد  الإقرار بحرية مطلقة للشخص؟ ألا تكون الحرية على العكس من ذلك حرية مشروطة؟

     

      إن ما يمكن أن نخلص إليه، في نهاية هذا الموضوع، هو أن مشكل الضرورة والحرية، يفتحنا على نقاش فلسفي قديم ما يزال يطرح إلى اليوم بأشكال جديدة. فهناك أطروحة المدافعين عن حرية الشخص، وقدرته على الاختيار بين ممكنات متعددة مهما كانت المحددات والإكراهات. وهناك أطروحة الحتمية التي تبين أن الإنسان خاضع لعدة ضرورات فيزيائية وكميائية وبيئية واجتماعية ونفسية لا فكاك منها، وعدم وعيها بوضوح هو ما يوحي له بأنه حر. لكن الإنسان في نهاية الأمر هو الكائن الذي تتجاذبه الحرية والضرورة، فمن جهة من حيث هو ذات واعية ومريدة... فهو ينتـمي إلى عالم الحرية والتحرر ومن جهة أخرى من حيث هو شخصية اجتماعية وبنية نفسية...فهو يخضع لعالم الضرورة.

     

     خلاصة


    خلاصة تركيبية عامة

    لا خلاف في أن الصعوبات التي تحول دون تقديم تحديد دقيق لمفهوم الشخص راجعة لكون المفهوم منفتح على مجالات متعددة فلسفية وحقوقية وأخلاقية وعلمية... لكن مع ذلك يمكن تتبع بعض مساراته التعريفية، من خلال ربطه بمفهوم الهوية الشخصية القائم من جهة على مقومات تتميز بالتعدد والتغير ممثلة في السمات النفسية كالطبع والذاكرة والهو ...السمات الاجتماعية ممثلة في القيم والمثل الأخلاقية ...ومن جهة أخرى على مقومات تتميز بالثبات والوحدة ممثلة في العقل والوعي والفكر والإرادة... 


    كما يمكن ربط مفهوم الشخص بمفهوم القيمة الشخصية  من خلال كون الشخص تعبير عن كائن أخلاقي عاقل يمارس الفعل الأخلاقي من خلال قناعات عقلية، أو من خلال الانفتاح والتضامن مع الآخرين. وأخير من خلال الاعتراف بكونه كائنا حرا في اتجاهه نحو المستقبل باعتباره مشروعا، يحمل مصيره بين يديه، يقاوم الظروف التي تحكمه وتوجهه، محاولا التغلب على عالم الضرورة، باحثا عن الشروط الملائمة لممارسة فعله الحر، مستعينا بذلك بكائنات عاقلة أخرى تعتبر أغيارا بالنسبة إليه.

     

     


  • تعليقات

    لا يوجد تعليقات

    تتبع تعليقات هذا المقال


    إظافة تعليق

    الإسم / المستخدم:

    البريدالإلكتروني (اختياري)

    موقعك (اختياري)

    تعليق